فخر الدين الرازي
49
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : قرأ أبو نهيك وبرزت وقرأ ابن مسعود : لمن رأى ، وقرأ عكرمة : لمن ترى ، والضمير للجحيم ، كقوله : إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [ الفرقان : 12 ] وقيل : لمن ترى يا محمد من الكفار الذين يؤذونك . واعلم أنه تعالى لما وصف حال القيامة في الجملة قسم المكلفين قسمين : الأشقياء والسعداء ، فذكر حال الأشقياء . فقال تعالى : [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 37 إلى 39 ] فَأَمَّا مَنْ طَغى ( 37 ) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 38 ) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ( 39 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : في جواب قوله : فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى [ النازعات : 34 ] وجهان الأول : قال الواحدي : إنه محذوف على تقدير إذا جاءت الطامة دخل أهل النار النار ، وأهل الجنة الجنة ، ودلى على هذا المحذوف ، ما ذكر في بيان مأوى الفريقين ، ولهذا كان يقول مالك بن معول في تفسير الطامة الكبرى ، قال : إنها إذا سبق أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار والثاني : أن جوابه قوله : فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى وكأنه جزاء مركب على شرطين نظيره إذا جاء الغد ، فمن جاءني سائلا أعطيته ، كذا هاهنا أي إذا جاءت الطامة الكبرى فمن جاء طاغيا فإن الجحيم مأواه . المسألة الثانية : منهم من قال : المراد بقوله : طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا النضر وأبوه الحارث فإن كان المراد أن هذه الآية نزلت عند صدور بعض المنكرات منه فجيد وإن كان المراد تخصيصها به ، فبعيد لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، لا سيما إذا عرف بضرورة العقل أن الموجب لذلك الحكم هو الوصف المذكور . المسألة الثالثة : قوله صغى ، إشارة إلى فساد حال القوة النظرية ، لأن كل من عرف اللّه عرف حقارة نفسه ، وعرف استيلاء قدرة اللّه عليه ، فلا يكون له طغيان وتكبر ، وقوله : وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا إشارة إلى فساد حال القوة العملية ، وإنما ذكر ذلك لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » ومتى كان الإنسان والعياذ باللّه موصوفا بهذين الأمرين ، كان بالغا في الفساد إلى أقصى الغايات ، وهو الكافر الذي يكون عقابه مخلدا ، وتخصيصه بهذه الحالة يدل على أن الفاسق الذي لا يكون كذلك ، لا تكون الجحيم مأوى له . المسألة الرابعة : تقدير الآية : فإن الجحيم هي المأوى له ، ثم حذفت الصلة لوضوح المعنى كقولك للرجل غض الطرف أي غض طرفك ، وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن يكون التقدير : فان الجحيم هي المأوى ، اللائق بمن كان موصوفا بهذه الصفات والأخلاق . ثم ذكر تعالى حال السعداء فقال تعالى : [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 40 إلى 41 ] وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 )